بقلم: د محمد محمود حوا
تتنوع مدارس العلماء في الوقف والابتداء، حيث يعتني فريق بالمعنى، ويعتني فريق بالتزام الفواصل ورؤوس الآي التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن أستعرض مذاهبهم في ذلك، لا بد من التأكيد على النقاط التالية:
أولا: غاية العلماء في اجتهاداتهم في هذا الباب تعظيم كتاب الله وتدبره والوصول إلى معانيه بحسب الطاقة البشرية.
ثانيا: لا ينكر على أحد من العلماء اجتهاده في هذا الباب، لعدم ورود النص القطعي الدلالة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وليس اجتهاد عالم بملزم لغيره.
ثالثا: قد يلهم الله القارئ ترجيح مذهب على آخر في موقف وظرف، بخلاف موقف وظرف آخر، لأن تفاعل القارئ مع القرآن وفق حالته وظرفه قد يستدعي منه مخالفة ما يعتمده من مذهب في ظرف من الظروف التربوية والتدبرية أو النفْسية (بسكون الفاء) والنفَسية (بفتح الفاء).
وفيما يلي بيان مذاهب العلماء في الوقف على رؤوس الآي :
المذهب الأول: الوقف على رؤوس الآي مطلقا: وهو مروي عن ابن كثير وأبي عمرو البصري، وقد روي عنه: “أنه كان يسكت عند رأس كل آية، وكان يقول إنه أحب إلي أنه إذا كان رأس آية أن يُسكت عندها”[1]، ويسميه بعض أهل العلم (وقف السنة) استدلالاً بحديث أم سلمة رضي الله عنها حيث سئلت عَنْ قِرَاءَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: ” كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ آيَةً آيَةً: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} “»[2]، وقال البيهقي: ” وأما تقطيع القرآن آية آية، فإنه أولى عندنا من تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها، لما جاء عن أم سلمة رضي الله عنها”[3]. ووافقه ابن قيم الجوزية فقال: “وهذا هو الأفضل، الوقوف على رءوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها”[4]، واستدلوا بأن رؤوس الآي توقيفية من النبي r وكان يقف عليها مما يدل على أفضلية الوقف على رؤوس الآي مطلقاً، وممن نصر هذا القول الشيخ ابن عثيمين[5].
المذهب الثاني: الوقف بحسب المعنى مطلقا: وهو مذهب الإمام نافع حيث كان يراعي محاسن الوقف والابتداء، بحيث يتم المعنى ويمكن الابتداء بعده. ونحوه مروي عن عاصم والكسائي، وقال ابن الجزري: “وصح عندنا عن الشعبي وهو من أئمة التابعين علماً وفقهاً ومقتدى أنه قال: إذا قرأت ﵟ كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦ﵞ ﵝالرَّحۡمَٰن: ﵖﵒﵜ فلا تسكت حتى تقرأ ﵟ وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧ﵞ ﵝالرَّحۡمَٰن: ﵗﵒﵜ “[6].
ويرى أصحاب هذا المذهب أن النبي r كان يقف على رؤوس الآي لبيان الفواصل وبيان جواز الوقف، كما قال الجعبري في كتابه «الاهتداء» بأن الاستدلال بهذا الحديث على سنّية وقف الفواصل لا دلالة فيه على ذلك؛ لأنه إنما قصد به إعلام الفواصل قال: وجهل قوم هذا المعنى وسمّوه وقف السنّة، إذ لا يسنّ إلا ما فعله تعبّدا، ولكن هو وقف بيان. اهـ[7]. وأيضا تعقب الاستدلال به القسطلاني في لطائف الإشارات بأن إسناد حديث أم سلمة ليس بمتصل[8]، وأن الوقف مع تعلق الكلام طريقة لا يرتضيها أهل البلاغة، إلى أن قال: “والأظهر أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يقف ليبين للمستمعين رءوس الآي”[9].
المذهب الثالث: الوقف حيث ينقطع النفَس: وهو مذهب حمزة؛ لأن القرآن قطعة واحدة فلا يقف إلا حيث ينقطع النفَس، فإذا انقطع النفس يبدأ القارئ من حيث يصح له الابتداء، بحيث لا يغير المعنى أو يعطي معنى غير مراد، قال ابن الجزري: “وحمزة اتفقت الرواة عنه أنه كان يقف بعد انقطاع النفَس، فقيل لأن قراءته التحقيق والمد الطويل فلا يبلغ نفس القارئ إلى وقف التمام ولا إلى الكافي وعندي أن ذلك من أجل كون القرآن عنده كالسورة الواحدة فلم يكن يتعمد وقفاً معيناً، ولذلك آثر وصل السورة بالسورة فلو كان من أجل التحقيق لآثر القطع على آخر السورة “[10]. وقد روي هذا الوجه عن ابن كثير أيضا.
المذهب الرابع: التفريق بين الوقف والقطع: أي التفريق في الوقف على رأس الآية بين حالتي قطع القراءة (الانتهاء من القراءة) وحالة الوقف بنية متابعة القراءة، فإذا كان رأس الآية متعلقا بما بعده من حيث اللفظ والمعنى كقوله تعالى: ﵟ فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ ٤ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ٥ﵞ ﵝالمَاعُون: ﵔ – ﵕﵜ. نفرق بين حالتي قطع القراءة (الانتهاء من القراءة) وحالة الوقف بنية متابعة القراءة، فيصح الوقف على رأس الآية بنية متابعة القراءة، ولا يصح بنية الانتهاء من القراءة. قال الشيخ المرصفي: “وصفوة القول في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام أن الوقف على قوله تعالى: “فويل للمصلين” جائز لأنه رأس آية ولا قبح فيه ولا حرمة ما دام القارئ مستمرّاً في قراءته إلى آخر السورة بخلاف ما لو قطع قراءته وأنهاها عنده فيمنع من ذلك ويكون الوقف قبيحاً إلا من عذر قهري صده عن إتمام السورة.
وأما إذا كان القارئ عنده طاقة في نفَسه ولم يقف إلا في آخر السورة بشرط أن تكون القراءة سليمة موافقة لقواعد التجويد المجمع عليها فلا بأس بذلك غير أنه على خلاف ما قال به جمهور العلماء وكثير من أهل الأداء من أن الوقف على رؤوس الآي سنة مطلقاً… والله تعالى أعلى وأعلم”[11].
المذهب الخامس: وهو القول الذي أميل إليه من هذه الأقوال: التفصيل على النحو التالي[12]:
لو تأملنا رؤوس الآي من حيث تعلق ما بعدها بها لوجدنا لها أربع حالات، وبالتالي لا بد للقارئ أن يتعامل مع كل حالة بما يناسبها على التفصيل التالي:
الحالة الأولى: أن يكون الوقف على رأس الآية يعطي معنى تاما وصحيحاً، وما بعده غير متعلق به لفظاً ولا معنىً، فهذا يكون الوقف عليه سنة باتفاق العلماء، مثل الوقف على (المفلحون) من قوله تعالى: ﵟ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦ﵞ ﵝالبَقَرَةِ: ﵕ – ﵖﵜ.
الحالة الثانية: أن يكون رأس الآية يعطي معنى تاماً وصحيحاً، وما بعده متعلق به، ولكن يصح الابتداء به، فيكون الوقف على رؤوس الآي هو الأوْلى، تأسياً بالنبي r، مثاله الوقوف على رؤوس الآي في سورة الفاتحة.
ومعظم رؤوس الآي في القرآن الكريم تدخل تحت هذه الحالة.
الحالة الثالثة: أن يكون الوقف على رأس الآية يعطي معنى تاماً وصحيحاً، ولكن ما بعده متعلق به تعلقاً قوياً بحيث لا يستحسن أو لا يصح الابتداء بما بعده لقوة التعلق: فعليه أن يقف على رأس الآية، ثم يرجع ويصله بما بعده كالوقف على (تتفكرون) من قوله تعالى: ﵟكَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡﵞ ﵝالبَقَرَةِ: ﵙﵑﵒ – ﵐﵒﵒﵜ. فيقف القارئ على رأس الآية ثم يرجع للبدء من موضع يصح البدء به ومن ثم يصل رأس الآية بما بعده مراعاة للتعلق اللفظي؛ لأن البدء بقوله تعالى: “في الدنيا والآخرة” لا يفهم جيداً دون وصله بما قبله. فيجمع بين السنة ومراعاة المعنى.
ومثله الوقف على كلمة (الإنجيل) من قوله تعالى: ﵟ نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤ﵞ ﵝآل عِمۡرَان: ﵓ – ﵔﵜ.
ومثله الوقف على (ليقولون) من قوله تعالى: ﵟ أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١ وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢ﵞ ﵝالصَّافَّات: ﵑﵕﵑ – ﵒﵕﵑﵜ. لأن الوقف على رأس الآية وإن أعطى معنى تاماً لكن البدء بما بعده يعطي معنى باطلاً، فلزم الرجوع والوصل مراعاة للمعنى.
ومثله الوقف على (مِمّا تُشرِكونَ) من قوله تعالى: ﵟ إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤ مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥ﵞ ﵝهُود: ﵔﵕ – ﵕﵕﵜ لأن البدء بكلمة (من دونه) مرتبط بالفعل (تشركون).
ومثله الوقف على (لا يؤمنون) من قوله تعالى: ﵟ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٩٦ وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٩٧ﵞ ﵝيُونُس: ﵖﵙ – ﵗﵙﵜ لأن قوله: (ولو جاءتهم) مرتبط بقوله تعالى (لا يؤمنون).
ومثله الوقف على (يسحبون) (تشركون) من قوله تعالى: ﵟ إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١ فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢ ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٧٣ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤ﵞ ﵝغَافِر: ﵑﵗ – ﵔﵗ]، لأن قوله (في الحميم) يبين المكان الذي يسحبون فيه. وقوله (من دون الله) مرتبط بقوله (تشركون).
ومثله الوقف على (ضلوا) من قوله تعالى: ﵟ قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣ﵞ ﵝطه: ﵒﵙ – ﵓﵙﵜ لأن قوله (ألا تتبعن) مرتبط بقوله (إِذ رَأَيتَهُم ضَلّوا).
الحالة الرابعة: أن يكون الوقف على رأس الآية يعطي معنىً غير مراد لعدم اكتمال الكلام، فلا يصح الوقف، كما في قوله تعالى: ﵟ فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ ٤ ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ٥ﵞ ﵝالمَاعُون: ﵔ – ﵕﵜ. فلا يقف على (للمصلين) بل يصل لبيان المعنى المراد ويدفع أي توهم لمعنى غير مراد للحق سبحانه وتعالى.
ويرى أنصار الوقف على رأس الآية مطلقاً أن الوقف هنا يفيد في تنبيه السامع لما سيأتي من الكلام، وهو أن الوعيد ليس لكل المصلين، بل هو للذين هم ساهون عن صلاتهم ويراءون في أعمالهم ولا يقدمون الخير لغيرهم.
ويمكن على هذا القول أن يعود القارئ ويصل كما بينته في الحالة الثالثة.
وهذه الأقوال تؤكد ما سبقت الإشارة إليه من أن تحديد موضع الوقف والوصل يرجع لاجتهاد القارئ وفهمه، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.
[1] الداني، المكتفى في الوقف والابتدا ص (23). ومعلوم أن لفظ السكت: كان يشمل الوقف، وليس فقط السكت المصطلح عليه في زماننا.
[2] مسند أحمد بن حنبل، رقم (26583). وإسناده صحيح. سنن أبي داود، رقم (4003). سنن الترمذي، رقم (2927). المستدرك على الصحيحين للحاكم، رقم (2910) قال الذهبي قي التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.
[3] البيهقي، شعب الإيمان (4/175).
[4] ابن قيم الجوزية، زاد المعاد (1/324).
[5] محمد صالح ابن عثيمين ، فتاوى الحرم المكي، تسجيل صوتي من العام 1418هـ.
[6] ابن الجزري، النشر في القراءات العشر (1 / 254)
[7] ينظر: مكي نصر، نهاية القول المفيد في علم التجويد، (161). ونسب كلام القسطلاني الذي أوردته لابن حجر ولم أجده لابن حجر بل وجدته للقسطلاني في لطائف الإشارات كما عزوته.
[8] الصحيح أن الحديث متصل وقد حكم بصحته علماء الحديث.
[9] القسطلاني، لطائف الإشارات (2/ 503).
[10] ابن الجزري، النشر في القراءات العشر (1/272).
[11] عبد الفتاح المرصفي، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري (1 / 389).
[12] ينظر نحو هذا التفصيل في: معالم الاهتداء إلى معرفة الوقوف والابتداء للحصري ص( 51).
