د محمد محمود حوا
قبل البدء في هذا الموضوع لا بد من بيان معنى التوقيف والاجتهاد في باب الوقف والابتداء
التوقيف: نصُّ الشارع المتعلِّقُ ببعض الأُمور، وهذا النص إما أن يكون في القرآن أو في سنة النبي صلى الـله عليه وسلم. وبناء عليه يتوقف اجتهاد المجتهد إذ لا اجتهاد في مورد النص.
الاجتهاد: هو بذل الوسع للوصول إلى الحكم (في الفقه) أو المعنى (في التفسير).
فهل نص الشارع على مواضع الوقف والابتداء؟ وبالتالي لا يسع القارئ تجاوزها.
هذا ما سنعرفه في هذا المقال بإذن اللـه تعالى.
عند مراجعة الكتب التي عنيت بالوقف والابتداء نجد عبارات ومرويات تفيد أن الوقف توقيفي، وبعضها يفيد أن هناك وقوفاً توقيفية في بعض المواضع من كتاب اللـه عز وجل، وفيما يلي بيان ذلك.
-
قال أبو جعفر النحاس رحمه اللـه بعد أن ذكر حديث الأحرف السبعة الذي يقول فيه النبي صلى الـله عليه وسلم: “أَتَانِي جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، قَالَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، كُلِّهَا شَافٍ كَافٍ، مَا لَمْ تُخْتَمْ آيَةُ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ”[1]. “فهذا تعليم التمام توقيفًا من رسول اللـه صلى الـله عليه وسلم بأنه ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة والثواب ويفصل ما بعدها إن كان بعدها ذكر النار أو العقاب نحو {يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ} ولا ينبغي أن يقول {وَالظَّالِمِينَ} لأنه منقطع عما قبله لأنه منصوب بإضمار فعل أي ويعذب الظالمين أو وعذب الظالمين”[2].
-
واستدل أبو جعفر النحاس أيضاً بأن الصحابة كانوا يتعلمون الوقف كما يتعلمون القرآن، بحديث ابن عمر رضي الـله عنهما حيث يقول: “لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَإِنَّ أَحْدَثَنَا يُؤْتَى الإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللـه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَتَعَلَّمُ حَلاَلَهَا وَحَرَامَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ فِيهَا كَمَا تَعْلَمُونَ أَنْتُمُ الْقُرْآنَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رِجَالاً يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِي مَا آمِرُهُ وَلاَ زَاجِرُهُ، وَلاَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ مِنْهُ يَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ”[3]. قال أبو جعفر: فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون التمام كما يتعلمون القرآن، وقول ابن عمر رضي الله عنهما: لقد عشنا برهه من الدهر يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة[4].
هذه الأقوال لأبي جعفر النحاس هل تعني التوقيف في كل مواضع الوقف أم ماذا؟
الصحيح أن النصوص تدل على أن النبي صلى الـله عليه وسلم أوقف أصحابه ومَن بعدهم على أداة يميزون من خلالها مواضع الوقف الصحيح، وهي “مَا لَمْ تُخْتَمْ آيَةُ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ، أَوْ آيَةُ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ”، وهذا لا يعني أن مواضع الوقف والابتداء توقيفية كما قد يتوهم البعض من عبارة أبي جعفر النحاس، بل إن أبا جعفر النحاس نفسه اجتهد في بيان مواضع الوقف في القرآن الكريم ونقل أقوال العلماء في ذلك مما يدل على أنه لا يقصد بعبارته أن مواضع الوقف توقيفية.
-
ذكر بعض العلماء مواضع للوقف نسبت للنبي صلى الـله عليه وسلم وأنه تلقاها من جبريل عليه السلام، وتسمى (وقف جبريل – وقف السنة – وقف الاتباع) وقد ذكرها الأشموني في كتابه منار الهدى فقال: قال السخاوي: ينبغي للقارئ أن يتعلم وقف جبريل؛ فإنه كان يقف في سورة آل عمران عند قوله: ﴿صَدَقَ اللـه﴾، ثم يبتدئ: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، والنبي r يتبعه، وكان النبي r يقف في سورة البقرة، وسورة المائدة عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾، وكان يقف على قوله: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وكان يقف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللـه﴾، ثم يبتدئ: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وكان يقف: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللـه الْأَمْثَالَ﴾، ثم يبتدئ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾، وكان يقف: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾، ثم يبتدئ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾، وكان يقف: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾، ثم يبتدئ: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، وكان يقف: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فحشر﴾، ثم يبتدئ: ﴿فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾، وكان يقف: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، ثم يبتدئ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، فكان صلى الـله عليه وسلم يتعمد الوقف على تلك الوقوف، وغالبها ليس رأس آية، وما ذلك إلَّا لعلم لدنيٍّ عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجهله من جهله، فاتباعه سُنَّة في جميع أقواله وأفعاله.[5]
